‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات في التربية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات في التربية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 4 نوفمبر 2012

لماذا لا نقلد تجارب البلدان الأجنبية الناجحة في الحقل التربوي؟ ترجمة مواطن العالم د. محمد كشكار

المصدر
Journal français: Courrier international, n° 1118, du 5 au 11 avril 2012, page 14-21, ensemble d’articles, intitulé : Education, les recettes qui marchent ailleurs

مقتطفات مقتضبة جدا من الاستنتاجات التربوية المفيدة المستوحاة من تجارب تربوية عالمية ناجحة و متعددة

  1. 1.     المكانة الأولى للصين في امتحان "بيزا" (البرنامج العالمي لمتابعة مكتسبات التلاميذ في فهم نص مكتوب و في الرياضيات و في العلوم 
يبدو أن ثلاث حجج كبيرة قد فقدت وزنها، حجج تفسر الفشل المدرسي في البلدان الغربية: ضعف الميزانية المخصصة من الدولة، و الفوارق بين الطبقات الاجتماعية، و الثقافات التي لا تولي أهمية للتربية. ثلاثة عوامل مهمة لكن لا تكفي وحدها لتفسير النتائج المدرسية
-         بين 1970 و 1994، و في عديد البلدان الغربية زادت ميزانية التعليم ضعفين أو ثلاثة أضعاف، و رغم هذا المجهود المادي الملحوظ لم تتحسسن النتائج إذا لم نقل أنها  في تراجع. في أمريكا مثلا حيث تصل تكلفة تعليم تلميذ واحد أعلى نسبها، نجد هذا البلد في آخر ترتيب الدول المتقدمة في التعليم الثانوي. حسب تقدير أحد المختصين، لا تدخل اعتبارات الميزانية إلا بنسبة 10 بالمائة في تغيير النتائج المدرسية
-         أكدت دراسات بريطانية أن خطر الفشل المدرسي يظل أكثر ارتفاعا عند التلاميذ الفقراء. و هذا ما أكدته أيضا الدراسات الأمريكية بقولها أن 60 بالمائة من النتائج المدرسية تتوقف على عوامل خارجية عن المدرسة مع العلم أن استراليا تحصلت على الرتبة التاسعة المشرفة في امتحان "بيزا" رغم الفوارق الكبيرة في الدخل بين أجرائها و أما الصين فقد فازت بالمرتبة الأولى رغم أنها تُعدّ من أكبر المجتمعات غير المتكافئة طبقيا
-         يلعب المستوى الثقافي للأسرة - دون أدنى شك - دورا تربويا هاما. يتابع الأولياء الآسيويون نتائج أبنائهم أكثر من نظرائهم الأوروبيين و يساهمون بذلك في إنجاح مدارسهم. لذلك تتصدر منصة التتويج التربوي دول كسنغفورة و هونغ كونغ  و كوريا الجنوبية

  1. 2.     ما هي إذن مفاتيح النجاح؟ 
لا يوجد نموذج واحد، لكن تتراءى لنا أربع مسارات للخروج من المأزق: اللامركزية التي تتمثل في إعطاء أكثر استقلالية للمؤسسات التربوية، و الاعتناء أكثر بالتلاميذ المتعثرين في دراستهم، و تنويع المؤسسات التربوية و انتداب مدرسين من ذوي الكفاءات العالية
-         يُعد النظام التربوي البولوني من أكثر الأنظمة التربوية لامركزية في العالم. تتكفل البلديات بتمويل المدارس بعد أن تأخذ منحة نسبية من الدولة حسب عدد التلاميذ المرسمين في ترابها. يتمتع رؤساء المؤسسات التربوية بكفاءة و حرية في انتداب المدرسين مباشرة و في التصرف في الميزانية المخصصة لكل مدرسة. لذلك تجد  بولونيا مكانها و مكانتها في الترتيبات العالمية
-         تراجعت أفضل المدارس الصينية عن هوسها و ولعها بـ"النوابغ" و "العباقرة" و شرعت في تدعيم التلامذة المتعثرين دوما. و هذا ما لم تفعله بريطانيا مما أثر على نتائجها المدرسية العامة
-         سمحت الحكومة البريطانية، منذ توني بلير، بتأسيس "مدارس حرة" (ليس بالمعنى المتداول عندنا في تونس) و وضعتهم تحت تصرف الأولياء و المنظمات الخيرية و الجمعيات لكن التمويل بقي من اختصاص الدولة. بدأ العدد بـ 203 في ماي 2010 و بلغ اليوم 1635 "مدرسة حرة
-         بعض البلدان، كفنلندا أو كوريا الجنوبية، لا تنتدب من الأساتذة إلا الأوائل و ترفع أجورهم على هذا الأساس. بريطانيا توفر منحا في الاختصاصات التي تشكو من نقص. أمريكا تجرّب التمييز بين المدرّسين و دفع الأجر حسب الاستحقاق و كفاءة المدرّس و هذا ما تعارضه دوما نقابة المدرّسين

  1. 3.     كيف نجح الفنلنديون؟
-         إجبارية التعليم من سن السابعة إلى سن السادسة عشرة
-         يتردد التلميذ الفنلندي على المدرسة من الاثنين إلى الخميس، لكن ينهي يومه في أكثر الأحيان على الساعة الثانية بعد الزوال مما يترك له كثيرا من الوقت لممارسة الرياضة و أنشطة ترفيهية أخرى
-         نصف التلاميذ الذين هم في سن الخامسة عشرة، يختارون شعبة تقنية. لذلك لا يقبل المعهد الثانوي العام إلا التلاميذ الذين هم في سن 16 - 19 و الراغبين حقا في دراسة المواد النظرية
-         يعد التلاميذ بأنفسهم برنامج توقيت دراسة المواد الاختيارية
-         ينصبّ تركيز المدرسة الفنلندية على تدريس اللغات و الرياضيات لأن هذين المادتين الأساسيتين يكونان الأدوات الذهنية و الفكرية الضرورية لفهم بقية المواد الأخرى
-         التلامذة ليسوا مُجبرين على حضور الدروس حتى يُسمح لهم باجتياز الامتحان و يستطيعون أيضا اجتياز امتحان السنة الموالية قبل وقته المحدد من قبل الإدارة
-         يستطيع تلميذ المهني أو التقني الالتحاق بالتعليم العالي العام بعد اجتياز أربع امتحانات كتابية إجبارية
-         لو يُوجد هناك شيء يجب أن يقال في تحليل نجاح التعليم الفنلندي، فهو الأهمية التي تحضي بها المطالعة و القراءة لدى المدرسين و السلط العليا

  1. كيف نجح المَجَريّون؟
-         يُخصص خمس كل حصة تربوية لحل المشاكل العلمية جماعيا. يجب على التلاميذ إذن، أن يتعاضدوا و يتناقشوا فيما بينهم بالحجة و الدليل و يتواصلوا و يعينوا الآخرين من زملائهم الضعفاء. و هذا النشاط الجماعي يكسبهم مفردات لغوية ثرية و دُربة على المحاجّة، كفاءات مكتسبة تمنحهم بدورها ثقة بالنفس و تسمح لهم بأخذ الكلمة في أي وسط فكري. فيدركون أن فقرهم و أصلهم الاجتماعي و لون بشرتهم، صفات لا تعني أنهم ليسوا موهوبين. يقول المدرّسون المجريون أنهم يلقون دروسهم بطريقة تجعل التلميذ يتطلع مشتاقا للتعلّم
-         شهادة تلميذ: "عندما أعمل داخل مجموعة، لا أحس بالرهبة، لأنني أعرف أنني لا أعمل من أجل الحصول على عدد". "عندما يكون بجانبنا مَن نسأله العون، لا نحس أبدا بالخوف
-         شهادة مديرة: "النتائج المدرسية تنطق بنفسها و على نفسها: لا يوجد غياب غير مبرّر و لا رسوب و تلامذتنا كلهم ينجحون في مناظرات المنطق (la logique
-         شهادة مدرّس: " الغريب أن التلامذة استغنوا عن خدماتي و لا يحتاجونني لأنهم قادرون على بناء معرفتهم بأنفسهم
Ajout du Dr M. K : c’est le socio-constructivisme de Piaget et Vigotsky
لقد تحسّن الحافز المعرفي لدى التلاميذ بصفة ملحوظة، خاصة عند المشوّشين من التلامذة المتعثرين في دراستهم. لم أعد اليوم في حاجة للجري و محاولة تجميع "وحوشي الصغيرة" بعد فترة الاستراحة، على العكس أجدهم ينتظرونني في القاعة بكل صمت و احترام. كل واحد منهم ينتظر دوره في أخذ الكلمة. أشعر أنني أعيش في كوكب آخر! لقد أنتجَت هذه الطريقة تغييرات مثيرة للإعجاب في وقت قصير نسبيا". "هذه الطريقة تساعد أيضا على تطوير الثقة بالنفس لدى التلاميذ و تعالج و تقلّل من ظاهرة العنف المدرسي لديهم. قديما و في قسم تقليدي يجمع عددا كبيرا من التلامذة المحرومين، أربعة أو خمسة فقط يسمعونني بآذان صاغية: هم فقط مَن يفقه ما أقول أما 40 إلى 50 في المائة من تلامذة القسم فلا يستطيعون و لا يقدرون على متابعة الدرس.دائما نفس التلامذة النجباء هم الذين يرفعون أصابعهم. و الأستاذ يعتقد أنه حقق نجاحا باهرا! و باتباع الطريقة البيداغوجية المبتكرة، أصبح على أكثر تقدير 1 أو 2 في المائة فقط من التلاميذ ممّن  لا يتابعون الدرس و هذه نسبة قليلة جدا

إمضائي المختصر
لا أحد مُجبر على التماهي مع مجتمعه. لكن إذا ما قرّر أن يفعل، في أي ظرف كان، فعليه إذن أن يتكلم بلسان المجتمع، أن ينطق بمنطقه، أن يخضع لقانونه من أجل بناء أفراده الذاتي لتصورات علمية مكان تصوراتهم غير العلمية و على كل سلوك غير حضاري نرد بسلوك حضاري و على كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف اللفظي أو المادي
نحن العربَ، مسلمي و مسيحيي القرن الحادي و العشرين، نتموضع حضاريا في الوقت الراهن في المنعطف التاريخي الفاصل بين القرن الثامن عشر و العصور الوسطى الذي تموضع فيه الأوروبيون قديما. هذه حقيقة أصبحت شبه متأكد منها الآن بعد حوالي ثلاثين سنة من التيه و الدوران و الضياع الأيديولوجي، قضيتها في شك دائم و يقين مؤقت، قضيتها في قراءات متعددة و متنوعة باللغة الفرنسية، جلها ماركسي و بعضها علمي بيولوجي و وجودي و قومي و إسلامي. لذلك احتطت اليوم لنفسي و ارتبطت منذ سنوات بمشروع النهضة العربية الإسلامية كتابة و نشرا، ثم نقلا و تعليقا على رواد النهضة الفكرية العربية الإسلامية من أمثال المفكرين العرب المسلمين النهضويين التنويريين المعاصرين: الطاهر الحداد و طه حسين و محمد الغزالي و جمال البنّا و نصر حامد أبو زيد و علي عبد الرازق و  صادق جلال العظم و هاشم صالح و عبد الله العروي و محمد أركون و حسين مروة و علي حرب و محمد الشريف الفرجاني و عبد المجيد الشرفي و هشام جعيط و محمد الطالبي و غيرهم كثيرون. و كان ذلك لي عزاء من غربتين أو عدة غروبات دفعة واحدة: غربة عن اللغة العربية، غربة عن الأرض و التاريخ، غربة عن التراث العربي الإسلامي، غربة عن المجتمع التونسي البربري الإسلامي العربي الأممي، غربة عن الأصالة و الذات - غربة الغربات
"و إذا فهمت نفسك فكأنك فهمت الناس جميعا". هاشم صالح
"الفلسفة هي القبض على الواقع من خلال الفكر". هيغل
"الذهن غير المتقلّب غير حرّ
قال الرسول محمد، صلى الله عليه و سلم: "مَن قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدَهُما". أي يتحمل القائل مسؤولية الكفر إن كانت التهمة باطلة و هي في جميع الأحوال باطلة لأن القائل لا يعلم ما في السرائر فهو إذن متجنِّ حتى و لو كان المتهم كافرا فعلا لأن علم الكافر و حسابه عند الله و الله وحده العلاّم بما في  القلوب

قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا، عليكم أنفسكم لا يضرّكم مَن ظلّ إذا اهتديتم إلى الله
الشك طريق إلى مزيد من الشك (في العلم بالطبع و ليس في الدين، فالدين بطبيعته لا يتحمل الشك و هو يقين من أوله إلى آخره). مواطن العالم د. م. ك
و كما قال هاشم صالح: "ليس بالماديات وحدها يحيا الإنسان، على عكس ما علّمتنا تلك الوضعية الاختزالية (Le positivisme réducteur)، أو الماركسوية الفجّة و الكسيحة

تاريخ أول نشر على النت
حمام الشط في 19 أفريل 2012

الخميس، 1 نوفمبر 2012

هذه بعض أسباب استقالتي من خطة مدير مدرسة إعدادية؟ مواطن العالم د. محمد كشكار


أمس، 8 سبتمبر 2011، قدمت استقالتي رسميا من خطة مدير المدرسة الإعدادية بنزهة سلطان بحمام الشط (مدرسة تقع في حي يسكنه موظفون. تحتوي المدرسة على سكن وظيفي للمدير، فيلاّ جديدة جدا لم تُسكَن من قبل، نظيفة و لائقة، ستيل أمريكان، تتركب من قاعة جلوس و 4 غرف و مجهزة بالماء و الكهرباء و الغاز الطبيعي و بيت حمام عصري) قبل أن أتسلم مهام الإدارة و ذلك - على سبيل الذكر لا الحصر - للأسباب التالية
1. لم أتلقّ أي تكوين في أداء خطة مدير مؤسسة تربوية، لم أخضع لأي امتحان تقييمي كتابي أو شفوي للتحصل على خطة مدير مؤسسة تربوية، لا أحمل أي شهادة جامعية في إدارات المؤسسات التربوية، عُينت بعد اجتياز مناظرة جهوية حسب الملفات و كنت الأول في الترتيب بمجموع 52,34127 و هو أعلى مجموع في الجمهورية التونسية على حد علمي

2. خلال تسلّم المهمة الذي لم يُتوّج بإمضائي الشخصي، اكتشفت و اطلعت عن قرب - لا أنكر، كانت عندي فكرة عن بعد كأي أستاذ لا يُشرّك و لا يُستشار في تسيير المؤسسة التي يعمل بها - أن مهمة المدير تتمثل أساسا في القيام بعدة أنشطة يومية غير بيداغوجية لكن مهمة و ضرورية لتسيير المؤسسة، أقرّ و أعترف أنني لست مؤهلا و لا مكَوّنا في هذه الاختصاصات مثل
- ربط العلاقات مع السلط المحلية مثل المعتمد و الحرس و الحماية المدنية و البلدية و شركة الكهرباء و الغاز و شركة توزيع الماء الصالح للشراب
- التعامل مع التجار مثل أصحاب الكُتبيّات التجارية الخاصة و أصحاب محلات المواد الحديدية و مواد التنظيف و غيرها
- التعامل مع أصحاب المهن مثل النجار و الحدّاد و الكهربائي و السمكري أو "اللحّام" و المختص في إصلاح الآلات الناسخة و الحواسيب و معدات المخابر العلمية
- إعداد "فاتورات" المشتريات و تأجيل الشراء في انتظار الموافقة أو الرفض من قبل مراقب المصاريف. في فرنسا، ألغي هذا التنظيم المعرقل لمصالح المؤسسة التي لا يمكن أن تنتظر و لو لحظة في بعض الأحيان و عُوّض بالآلية التالية: يُسمح للمدير بالتصرف في ميزانية المعهد كاملة منذ انطلاق السنة الدراسية، يصرف منها ما يشاء و لا يعرقل سير المؤسسة اليومي و يستظهر بالفاتورات عند المراقبة الإدارية و المالية
- يتنقل المدير على حسابه الخاص لعدم وجود سيارة خاصة بالمعهد و ذلك لأداء مهام خارجة عن مهمته كمدير، بين المعهد و مندوبية التعليم ببن عروس مثل الاتصال بالمقتصد المسؤول عن مؤسسته المتواجد في بعض الأحيان في معهد آخر أو الاتصال بمراقب المصاريف ببن عروس أو حمل الوحدة المركزية للحاسوب لتحيين برمجية إدارة بطاقات أعداد التلامذة "الأيدوسيرف" و أسأل هنا: لماذا لا يأتي العون المختص بالمندوبية و يحيّنها من الأنترنات على عين المكان أو تجول سيارة المندوبية على المعاهد و تحمل كل الوحدات لتحيينها ثم ترجعها إلى المعاهد في نفس اليوم حفاظا على سلامتها و سرية محتوياتها؟

3. الاختصاص الوحيد الذي أحمل فيه شهادة جامعية - دكتورا في علوم التربية 2007 تحت إشراف مزدوج بين جامعة تونس و جامعة كلود برنار بليون 1 بفرنسا - هو اختصاص مهمّش في مهمة المدير و لا يحظى باهتمام هذا الأخير لانشغاله في تأدية مهام إدارية و اجتماعية ضرورية لكن غير كافية وحدها لتسيير المؤسسة التربوية. على سبيل المثال: في فرنسا، يسير المعهد مدير يحمل شهادة جامعية في الاقتصاد و التصرف و لم يزاول مهنة التدريس لكنه يستعين بمدير مساعد يحمل صفة أستاذ قدير و قديم. لنا من أصحاب الشهائد في هذا الاختصاص المئات أو الآلاف من الشباب التونسيين المتخرجين من الجامعة و العاطلين عن العمل منذ سنوات. عاش من عرف قدره و عمل في اختصاصه

4. يتمثل دوري - الذي أسعى دوما إليه - كمفكر ناقد في القيام بالتفكير و النقد و يتمثل دور مدير مدرسة إعدادية أو معهد في تسيير الشؤون اليومية لمؤسسة تربوية. دوران مختلفان حتى لا أقول متناقضان لأن دور الناقد المحترف - الذي لم أصل إليه بعدُ - ينقد و لا يتدخل في الفعل مباشرة أما المدير فيدير مؤسسته إداريا و اقتصاديا و اجتماعيا على مدار ثماني ساعات عمل في اليوم فلا يجد وقتا، لا للتفكير و لا للنقد. المدير الحالي يدير مؤسسة تربوية في شؤونها غير البيداغوجية و هو غير مؤهل أكاديميا في مجال إدارة المؤسسات و فاقد الشيء في هذه الحالة لا يعطيه

5. بعد تقديم استقالتي رسميا، لامني ودّيّا بعض الزملاء. أشكرهم على نقدهم الودّي لقراري بالاستقالة لكن أقول لهم بكل لطف و مودّة أنني أنا الوحيد الذي سأتحمل مسؤولية تسيير المؤسسة خلال عام كامل أو عامين. قبل الاستقالة و قبل تسلّم المهمة، كنت أزور يوميا الإعدادية التي عُينت بها و لم أقابل فيها أي ممثل لأي سلطة جهوية أو محلية مثل مندوبية التعليم أو الولاية أو المعتمدية أو الحرس أو الجيش أو البلدية أو غيرها. لم يأت أحد من هؤلاء ليسأل عن الاستعدادات الضرورية و الملحة الواجب توفيرها لإنجاح انطلاق السنة الدراسية 2011-2012. و للأمانة اتصل بي هاتفيا مرة واحدة معتمد حمام الشط. و في المقابل، وجدت فيها يوميا صباحا مساء مرشدا تربويا قائما بواجبه و بعض الإداريين يسجلون التلاميذ و بعض العملة ينظفون و بعض أساتذة الإعدادية الغيورين على مصلحتها و منهم عضو النقابة الأساسية لأساتذة التعليم الثانوي بحمام الشط

6. ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
- كنت أنتظر من وزارة التربية و النقابة العامة للتعليم الثانوي و الأولياء و الأمن و الجيش و البلدية، تجُنُّدٌ واسع لإنجاح العودة المدرسية الأولى بعد "الثورة"، تجند يضاهي أو يفوق التجند الرائع الذي حصل أثناء اجتياز امتحان الباكلوريا في جوان 2011
- كنت أتمنى أن أجد المؤسسة التربوية التي عينت مديرا لها و كل المؤسسات التربوية الأخرى في كامل تراب الجمهورية التونسية نظيفة مطلية. معلومة سمعتها عن طريق صديق متفقد إداري و مالي نزيه و جدي يعمل حاليا بوزارة التربية التونسية، قال: تقريبا 40 في المائة من العمال المعينين و المترسمين بالمؤسسات التربوية من معاهد و إعداديات، كُلّفوا عن طريق التدخلات الملتوية قبل الثورة بعمل إداري بقرار غير سليم و غير قانوني من بعض الولاة أو بعض المعتمدين أو بعض المندوبين أو بعض الوزراء أو بعض مديري المؤسسات التربوية لذلك نلاحظ نقصا كبيرا في عدد العمال المباشرين لمهنة التنظيف داخل المؤسسات التربوية و انجرّ عن هذا القرار الخاطئ، شبه انعدام في صيانة أثاث هذه المؤسسات و إهمال في نظافة قاعات و فضاءات التدريس. كنت أتمنى أن أجد قاعات مجهزة و مُصانة و محروسة و فاتحة أبوابها لاستقبال الأجيال الصاعدة من فلذات أكبادنا الأبرياء الحالمين بمكاسب "ثورة 14 جانفي 2011
- كنت أحلم أن أرى - على الأقل في بداية شهر سبتمبر، شهر افتتاح السنة الدراسية، الافتتاح الأول بعد الثورة - كل يوم وفدا يزور و يتفقد مدرستنا الإعدادية بنزهة سلطان بحمام الشط و يسأل عن حال المناضلين المرابطين فيها من مرشد تربوي و إداريين و أساتذة و نقابيين و عملة
- كنت شبه متيقن من أنني سأجد على باب كل مدرسة شرطيا أو جنديا يحرسها ليلا نهارا ضد الإتلاف المتعمد و النهب المنظم خاصة في ظروف تسلم و تسليم المهام بين المديرين القدامى و المديرين الجدد

خلاصة القول
أنا أؤمن بشعار "الرجل المناسب في المكان المناسب" أو بمعنى أدق "الرجل المختص في الاختصاص الذي أُهّلَ من أجله" و عاش من عرف قدره و احترم نفسه و لم ينفخ في صورته الشخصية و اكتفى بالعمل في اختصاصه بمهنية و شرف و صدق في القول و إخلاص في العمل. يبدو لي أن مهمة مدير مؤسسة تربوية ليست لي و أنا لست لها و أعترف أنني أخطأت في الترشح لها و أصلحت خطئي بالاستقالة قبل المباشرة و النساء و الرجال الأكفاء كُثر في تونس و الحمد لله و أنا واثق تمام الوثوق أن أبسط شاب أو شابة من المختصين التونسيين المبتدئين في علم التصرف و إدارة المؤسسات، سوف ينجح أو تنجح في إدارة مؤسسة تربوية أحسن مني ألف مرة و يحصل لي الشرف العظيم إن عيّنوني مساعدا بيداغوجيا له أو لها للنهوض بالتربية و التعليم في تونس خاصة في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة، مرحلة البناء و التأسيس لعهد ما بعد "الثورة"، عهد جديد حتى لا نكرّر القولة الممجوجة "عهد التغيير

إمضاء د. م. ك
يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه و يثقوا في خطابه أما أنا - اقتداء بالمنهج العلمي - أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات و أنتظر منهم النقد المفيد
لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة و البراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى و على كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف المادي أو اللفظي أو الرمزي

التاريخ
حمام الشط في 9 سبتمبر 2011

الثلاثاء، 23 أكتوبر 2012

مثَلُ وزارة التربية كمثَلِ "من يهدي نظارات طبية إلى ضرير". مواطن العالم د. محمد كشكار

تكوين المدرسين في الإعلامية قبل تكوينهم في الإبستومولوجيا و علم نفس الطفل، مثَلُه كمثَلِ"من يهدي نظارات  طبية إلى ضرير". مواطن العالم د. محمد كشكار

أنزلت وزارة التربية و التعليم التونسية أخيرا منشورا يحث المدرسين ابتدائي و إعدادي و ثانوي على التكون في مجال الإعلامية [ استعمال الحاسوب و البرمجيات و السبورة التفاعلية لأغراض التدريس في القسم ( .Les T.I.C.E). احتج المدرسون النقابيون على الوزارة و عارضوا التكوين في العطل المدرسية و طالبوا بأجر مناسب للمدرس المكوّن بكسر الواو
سبق لي أن عملت مكونا لأساتذة علوم الحياة و الأرض لمدة عامين. يستغرق إعداد حصة التكوين نصف شهر تقريبا. أعرضها و أناقشها مع الزملاء خلال أربع ساعات. أتقاضى على كل ساعة تقريبا دينارين و نصف [ما يقابل دولارين تقريبا]. هل أجرُ عشرة دنانير يساوي جهد نصف شهر من البحث و التنقيب؟ عندما تستدعي الوزارة محاضرا جامعيا لتكوين أساتذة الثانوي أو معلمي الابتدائي تغدق عليه في الحصة الواحدة من 100 إلى 200 دينار. أنا أحترم العلم و العلماء و الأساتذة الجامعيين و الناس أجمعين و أطالب بمساواة المكونين في الأجر خاصة أن الكثير من المكونين من أساتذة الثانوي حاصلين على شهائد مرحلة ثالثة مثل الماجستير و الدكتورا
أرجع الآن إلى موضوعي الأصلي الذي من أجله أكتب هذا المقال و هو يتمثل في تذكير الزملاء و الوزارة أن التكوين في الإعلامية مهم و لكن الأهم منه هو التكوين في العلوم الضرورية لأداء وظيفة المدرس على أحسن وجه و هي العلوم التالية: التعلّمية
 La Didactique  
و علم التقييم
  L'Évaluation
و علم نفس الطفل
  La psychologie de l'enfant
و الإبستومولوجيا
  L'Épistémologie
 و ربيبتها "إدراك عملية الإدراك
 La Métacognition
 لا تمثل الإعلامية علما بل أداة تكنولوجية عاجزة بذاتها وحدها و لا يمكن تفعيلها دون استعمال العلوم المنسية في التكوين. تحرص الوزارة على التكوين في الإعلامية فقط و تهمل العلوم الأخرى فمثلها كمثل "من يهدي نظارات طبية لضرير
أذكّر زملائي أولا و الوزارة ثانيا بأهمية العلوم المذكورة أعلاه لعل الذكرى تنفع المتعلمين
v    تهتم التعلّمية  
 La Didactique
بالمعرفة و علاقتها بالتلميذ و المدرس أكثر من اهتمام البيداغوجيا بطرق التدريس. يركّز هذا العلم خاصة على كيفية تعلم المتلقي و يعلّمه كيف يتعلّم. عدم إلمام المدرسين بهذا العلم يفسر مقولة العالم الابستومولوجي الفرنسي باشلار " المدرسون لا يفهمون أن تلامذتهم لا يفهمون

v    علم التقييم  
[  L'Évaluation
علم قائم الذات يدرّس في الجامعات. تسمح آليات هذا العلم بتقييم مكتسبات التلميذ قبل و أثناء و بعد الدرس. تساعد نتائجه على تحسين مردود المعلم و المتعلم. مثل المدرس الذي لم يدرس أكاديميا التقييم كمثل "تاجر يزن سلعة دون ميزان

v    يفتح "علم نفس الطفل
 [  La psychologie de l'enfant
 عيون المدرسين على عالم الطفولة و المراهقة و يكشف لهم "ما خفي من جبل الجليد النفسي عند التلميذ" فتتوضّح لديهم الرؤيا و يظهر لهم أن "اللامعقول في تصرفات التلميذ هو في صلب المعقول النفسي", فيعذرون حينئذ و يفهمون أسباب و عمق بعض السلوكيات التلمذية العنيفة أو الخارجة عن المألوف و يكفّون عن التعامل مع التلميذ كما يتعامل " عالم النفس السلوكي مع فأر التجارب يحدد له المدخل و المخرج في المتاهة

v    الإبستومولوجيا
 [ L'Épistémologie
 هي "مبحث نقدي في مبادئ العلوم و في أصولها المنطقية" و تهدف إلى الكشف عن الآليات و المفاهيم التي تعتمدها الثقافة في إنتاج المعرفة و نقدها. هي "معرفة المعرفة أو نظرية المعرفة العلمية". يحتاج لهذا العلم كل من يدرّس العلوم معلما كان أو أستاذا.  عندما يعرف المدرس أن العلم لم يلد كاملا بل تكوّن على مراحل و بعد أخطاء جسيمة ارتكبها العلماء العظام, حينئذ يعذر و يتسامح و يفهم أخطاء التلميذ و لا يحمّله ما لم يقدر عليه كبار العلماء و هو الفهم المباشر و السريع للمسائل المعقدة في الرياضيات و الفيزياء و علوم الحياة و الأرض

v    أما "إدراك عملية الإدراك
 La Métacognition
 فيتمثل "في التفكير في آليات التفكير و في معرفة أننا نعرف و في اختيار الطريقة الأنسب لحل المشاكل" و كما قال بيار قريكو: " لو أن الإنسان الذي يقول لا أعرف, عرف لماذا يقول لا, لكان قادرا على تحديد نعم المستقبلية" أو كما يقول المثل الصيني المشهور " لا تعطني سمكة بل علمني كيف أصطاد"  و السمكة في التعليم هي المعلومة و تعلّم الصيد هو "إدراك عملية الإدراك". أثناء "إدراك عملية الإدراك" ينشط التلميذ ذهنيا و ليس تطبيقيا و قد ثبت أن هذا النوع من النشاط الذهني البحت يسمح بالوعي و الشعور بالإجراءات و الطرق و السيرورات الذهنية الموظفة لحل المشاكل و يرسّخ اكتسابها
(  wikipédia

خلاصة القول
جل الأساتذة لم يدرسوا هذه العلوم في الجامعة و أنا اكتشفتها بعد 24 عام تدريس و الأستاذ أقل حظا من المعلم في هذا المجال و حتى من علم و تعلم لا يستطيع أن يطبق النظريات الجديدة في نظام تعليمي يعتبر الارتقاء الآلي ديمقراطية و التقشف في استعمال الطباشير حكمة. مدرسة ابتدائية دون ميزانية و ميزانية المعهد تصرف في تسخين مكاتب الإداريين و طباعة الامتحانات و المناشير. السبورة التفاعلية [Le tableau interactif  ] ليست عصا سحرية سوف تخرج تعليمنا من المحلية إلى العالمية و لن تغير بين عشية و ضحاها وضعا متخلفا و تسيبا عاما و تجهيزات مهترئة و أجورا زهيدة و بيروقراطية متكلسة و قرارات فوقية و إملاءات خارجية و خريجين عاطلين عن العمل لمدة سنوات
أنا عندي تجربة بسيطة مع توظيف التكنولوجيا الحديثة في التعليم: منذ ثماني سنوات و بضربة حظ, جهز لي وزير التربية التونسي السابق منصر رويسي مخبرا بعشر حواسيب لتدريس علوم الحياة و الأرض في معهد برج السدرية و منذ  تاريخ مغادرة الوزير للوزارة في 2001 نسوني و تركوني أتخبط وحدي دون فأرة و دون برمجيات و دون صيانة و دون تجديد الحواسيب حتى هرمت و لم تعد صالحة للاستعمال
في فرنسا لا تدرس الإعلامية كمادة مستقلة بل تستعمل كأداة تدريس في كل المواد منذ عام 2000

إمضاء د. م. ك
لا أحد مُجبر على التماهي مع مجتمعه. لكن إذا ما قرّر أن يفعل، في أي ظرف كان، فعليه إذن أن يتكلم بلسانه (المجتمع)، أن ينطق بمنطقه، أن يخضع لقانونه. عبد الله العروي
يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه و يثقوا في خطابه أما أنا - اقتداء بالمنهج العلمي - أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات و أنتظر منهم النقد المفيد
لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة و البراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى و على كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف اللفظي أو المادي

التاريخ
حمام الشط في 19 مارس 2010

الجمعة، 12 أكتوبر 2012

ما هي أسباب عدم قدرة التلميذ التونسي على توظيف معلوماته؟ مواطن العالم د. محمد كشكار

إشكالية تعترضني يوميا كأستاذ في القسم: ما هي أسباب عدم قدرة التلميذ التونسي على توظيف معلوماته؟  

المكان : الجمهورية التونسية
الزمان: الثلاثية الأولى من العام الدراسي 2010/2011
المستوى التعليمي: السنة أولى ثانوي (ما يقابل أربع سنوات قبل الباكلوريا
المادة: علوم الحياة و الأرض باللغة الفرنسية

اللغة: رسميا الفرنسية و شبه رسميا العربية: كل جملة أكتبها أو أقولها، أترجمها بالعربية نظرا لمستوى التلاميذ المتدني في اللغة الفرنسية. بعض زملائي في العلوم (علوم الحياة و الأرض والرياضيات و الفيزياء و التقنية) - و أنا أومن أن لكلٌّ أستاذ طريقته الخاصة في إبلاغ المعلومة و لا تعلو طريقة على أخرى في البيداغوجيا -  ذهبوا إلى الحل الأسهل و الأجدى ظاهريا و آنيا، المتمثل في تدريس العلوم  باللهجة التونسية الدارجة المهذبة في القسم و في الدروس الخصوصية تفاديا لعائق اللغة الفرنسية غير المفهومة من جل التلاميذ التونسيين خريجي التعليم الأساسي المعرّب. قد يفهم التلاميذ أحسن بهذه الطريقة و قد يفرح الأستاذ بمشاركة تلاميذه و تجاوبهم لكن ينسى الاثنان أو يتناسيا أن الامتحان الرسمي، في فروض المراقبة و الفروض التأليفية، يُقرأ و يُكتب بالفرنسية فقط و أن كل الشعب العلمية في الجامعة تُدرّس بالفرنسية فقط

بكل لطف و صدق و دون مزايدة أو مجاملة أو أبوّة أو تعال فكلنا في " عدم الكفاءة" تونسيون حسب نتائج تلامذتنا الأوائل في عيوننا و الأواخر في تقييمات منظمات عالمية مثل تقييم منظمة "تيمس"(الاتّجاهات في الدراسة العالمية للرّياضيات والعلوم) و منظمة "بيزا" (برنامج التقييم الدولي للطلبة) وهو عبارة عن مجموعة من الدراسات التي تشرف عليها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية كل ثلاثة أعوام بهدف قياس أداء الأنظمة التربوية في البلدان الأعضاء وفي بلدان شريكة (انظر مقال حمدي بشير حمدي في الفايسبوك بعنوان "فشل السياسة التعليمية

تتناقض هذه الشهادة العالمية العلمية و الموضوعية في "عدم كفاءتنا" في تكوين تلامذتنا مع شهادة الامتياز الصادرة  عن وزارتنا الموقرة و هي شهادة غير علمية و غير موضوعية تتجسم في نتائج الباكلوريا التونسية المضخمة بالإسعاف

بعد هذا التمهيد غير المريح لي و لزملائي، ألفت نظر زملائي المحترمين و تلامذتنا الأعزاء إلى أهمية اللغة العلمية السليمة في إنتاج العلم. يبدو لي أن العلم لا يقتصر على طرح الإشكاليات العلمية و فهم و حل المشاكل فقط بل يتجاوز هذه المرحلة المهمة إلى التعبير الكتابي و الشفوي الضروري لنشر هذه المعرفة بلغة علمية سليمة. نلاحظ أن جل العلماء و منتجي المعرفة يشتغلون أساتذة في الجامعات و كتّابا في المجلات العلمية المختصة لذلك وجب عليهم إتقان لغة حية و من المستحسن أن تكون الأنقليزية عوض الفرنسية و للأسف الشديد لا يمكن أن تكون العربية في عصرنا هذا لتخلف العرب في كل المجالات العلمية الحديثة. لا توجد مجلة علمية واحدة مختصة ذات قيمة علمية عالية مكتوبة بالعربية و حتى العلماء الفرنسيون أصبحوا مجبورين على النشر باللغة الأنقليزية، اللغة العلمية العالمية المتواجدة في الساحة دون منافس

الأستاذ و التلميذ التونسي هم ضحايا و مسؤولين في الوقت نفسه. مسؤولين لأنهم لم يبذلوا مجهودا إضافيا لسد الثغرات في التكوين العمومي الرسمي. ضحايا سياسة تربوية تونسية تسمح بتدريس العلوم بالعربية من السنة الأولى إلى السنة التاسعة أساسي و فجأة و في السنة الموالية أي الأولى ثانوي (ما يقابل أربع سنوات قبل الباكلوريا)، يجد التلميذ نفسه غير مؤهل لمتابعة دروس العلوم بالفرنسية فيتقوقع حول نفسه و ينغلق و يبتعد شيئا فشيئا عن التعلّم لعدم تسلّحه بأدواته الضرورية و خاصة الأداة الأساسية المتمثلة في اللغة الفرنسية في تونس، دولة لغتها الرسمية في الدستور هي اللغة العربية. أذكّر دائما تلامذتي بالحقيقة المرة و هي أن اللغة الفعلية الأولى في التعليم التونسي هي الفرنسية و ليست العربية. الانتقال من تدريس العلوم بالعربية إلى تدريسها بالفرنسية في تعليمنا التونسي، هو تحوّل سهل في أذهان مصممي البرامج، يقع بجرّة قلم على قرار فوقي و هو في الوقت نفسه يمثل عائقا تعلّميا (يعني ناتج عن الطرق البيداغوجية العقيمة المستعملة من قبل الأساتذة و المعلمين) يصعب تجاوزه من قبل تلاميذ أبرياء و أساتذة مجتهدين. التلميذ ضحية سياسة تربوية خاطئة و الأستاذ لم يشارك في تخطيط هذه السياسة لكنه مجبر على مواجهة تداعياتها الكارثية على حساب صحته و نجاعة أدائه البيداغوجي

حسب وجهة نظري البسيطة: ما دامت الوزارة عاجزة عن تعريب العلوم في الثانوي بعد عشرين عاما من تعريبها في الإعدادي فلماذا لا تتراجع في قرارها و تُفرنس العلوم في الإعدادي مؤقتا حتى تستعد جديا لتعريب العلوم في التعليم التونسي بجميع مراحله مثل بعض البلدان العربية حتى لا يضيع جيل من التلاميذ بكامله بسبب التردد السياسي لوزارة التربية التونسية في تعميم التعريب على جميع مراحل التعليم 

الدرس الرابع في برنامج السنة أولى ثانوي في مادة علوم الحياة و الأرض: تحسين الإنتاج النباتي 
إشكالية الدرس: ما هي الوسائل التقليدية و العصرية لتحسين الإنتاج النباتي؟
سير الدرس: في أول الحصة، طلبت من تلامذتي أخذ ورقة بيضاء و كتابة أسماء هذه الوسائل بالفرنسية أو بالعربية دون شرح أو تفصيل و قلت لهم: إن لم تجدوا الكلمات باللغة الفرنسية فعليكم الاستعانة بالمعجم "الفرنسي – عربي" الملحق بكتابكم المدرسي. انتظرت عشر دقائق و مررت بين الصفوف أقرأ ما كتبوا. وجدوا وسيلتين فقط، "الماء و الأملاح المعدنية" و المفهومين يمثلان عنواني الدرس الأول و الثاني. حاولت إثارتهم و تحفيزهم ذهنيا بقولي: أنا متأكد مائة بالمائة أنكم كلكم و دون استثناء تعرفون الجواب كاملا و جيدا. لم تُجد طريقتي نفعا إلا عند بعض المتفوقين و عددهم لا يتجاوز الاثنان في كل قسم

بعد انتظار دام خمس دقائق إضافية، تدخلت معاتبا و مشجّعا: سأبيّن لكم بالدليل القاطع أنكم تعرفون الجواب و تحملون معلومات لكن لم تستطيعوا توظيفها في المكان المناسب و الوقت المناسب

من منكم لا يعرف أن حرث الأرض يحسّن الإنتاج النباتي؟ و كانت إجابتهم الجماعية بنعم. توالت أسئلتي:  من منكم لا يعرف أن اختيار البذور و استعمال البيوت المكيفة و تخصيب التربة بالأسمدة العضوية و الري قطرة قطرة و القضاء على الأعشاب الطفيلية و الحشرات الضارة يحسّن الإنتاج النباتي؟ توالت إجابتهم الجماعية بنعم. استنتجت من أجوبتهم أنهم يحملون معارف كافية حول إشكالية الدرس لكن يعيقهم توظيفها بلغة علمية فرنسية سليمة. قلت لهم أن هذه المعلومات تعتبر ثقافة علمية عامة يمتلكها حتى رجل الشارع الأمي لكن لا يستطيع أن يعبر عنها كتابة و مشافهة بلغة علمية فرنسية سليمة و هنا يكمن الفرق بينه و بينكم، أنتم علماء المستقبل وبناة نهضتنا إن كتب لنا يوما أن نستفيق من سباتنا الموروث و المكتسب و ننهض من تخلفنا الذاتي و المدبّر من عدونا الخارجي الغربي و الإسرائيلي و عملائهم الوطنيين في الداخل

أرجع و أقول أن التلميذ ضحية و مسؤول في كل حالات فشله التعليمي. التلميذ هو ضحية مدرسة سلوكية لـ"واتسون" و "سكينر"، مطبقة في تونس، تعتمد على الإثارة و الجواب مثل ما يفعل عالم النفس السلوكي مع فأر التجارب. طريقة بيداغوجية تلقينية تعتمد الحفظ و استحضار المعلومات يوم الامتحان دون تفكير، عبّر عنها التلاميذ في مظاهراتهم برفعهم شعار "بضاعتكم رُدّت إليكم". صدق التلاميذ، نعم بضاعتنا نحن الأساتذة، لأن التلاميذ لم يشاركوا في صنعها أثناء عملية التعلم و بقوا في أحسن الحالات يتفرّجون على أستاذ يعمل بمفرده في القسم، يسأل و يجيب، يكتب بالطباشير و يفسّخ في سبورة تقليدية عمرها مائة سنة، يحضّر المجهر و يدعو التلاميذ للمشاهدة فقط، يجرّب و يعرض النتائج على تلاميذ مبهورين باستعراض عضلات أستاذهم القدير و الكفء. كيف تطلب من تلميذ ترعرع في مدرسة تقتل المواهب بهذه الطريقة أن يوظف معلوماته لحل مشكل علمي يعترضه لأول مرة مهما كان بسيطا. التلميذ مسؤول عن فشله الدراسي أيضا لأنه لم يبذل مجهودا إضافيا و قد تفطن جل الأولياء القادرين ماديا إلى نقطة الضعف هذه في المدرسة العمومية و ضحّوا من أجل تكوين أبنائهم في الدروس الخصوصية و أصبح الولي يصرف ما يقارب المائتي دينار شهريا (ما يساوي المرتب الشهري الأدنى للعامل في تونس) بين دروس الرياضيات و الفيزياء و علوم الحياة و الأرض و الأنقليزية و الفرنسية و غيرها. ماذا يفعل الفقراء في هذه الحالة - و نحن معشر الأساتذة من الفقراء باستثناء شبه زملائنا الأساتذة، مقاولو الدروس الخصوصية مع العلم أنني لا أدينهم لو طبقوا القانون المنظم للدروس الخصوصية، 12 تلميذ من تلاميذ أقسام لا يدرسونها، موزعين على 3 مجموعات منفصلة في قاعة تدريس محترمة و ليس 20 في "قاراج"- ماذا يفعل هؤلاء الفقراء المسحوقين طبقيا و العاجزين ماديا و هم يرون أبناءهم يضيعون أمام أعينهم و لا يقدرون ماديا على إنقاذهم من براثن مدرسة عمومية لا تقوم بواجبها في تأهيل النشء لبناء معرفته بنفسه حسب المدرسة البنائية لـ"بياجي" و "فيقوتسكي"، مدرسة غير مطبقة في تونس حتى الآن رغم اعتمادها شعارا سياسيا لوزارة التربية التونسية، شعار تجني من ورائه الكثير و لا تخسر مليما واحدا

حفظ  المعلومات مهم، لكن توظيفها أهم و ليس من قبيل الصدفة أننا و بعد نصف قرن من الاستقلال  المنقوص لم نصنع علماء و لم ننتج علما تجريبيا أو رياضيا أو إنسانيا ما عدى الأدمغة الوطنية المهاجرة التي بنت علمها في بيئة مغايرة حيث تتوفر الحرية و الكرامة و ظروف العمل المثلى لإنتاج المعرفة مثل ما فعل أحمد زويل و فاروق الباز و محمد الأوسط العياري و غيرهم كثيرون

إمضاء د. م.  ك.
الذهن غير المتقلّب غير حرّ
لا أحد مُجبر على التماهي مع مجتمعه. لكن إذا ما قرّر أن يفعل، في أي ظرف كان، فعليه إذن أن يتكلم بلسانه (المجتمع)، أن ينطق بمنطقه، أن يخضع لقانونه. عبد الله العروي
يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه و يثقوا في خطابه أما أنا - اقتداء بالمنهج العلمي - أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات و أنتظر منهم النقد المفيد
لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة و البراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى و على كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف اللفظي أو المادي
الكاتب منعزل إذا لم يكن له قارئ ناقد
عزيزي القارئ, عزيزتي القارئة، أنا لست داعية، لا فكري و لا سياسي, أنا مواطن عادي مثلك، أعرض عليك  وجهة نظري المتواضعة و المختلفة عن السائد, إن تبنيتها, أكون سعيدا جدا, و إن نقدتها, أكون أسعد لأنك ستثريها بإضافة ما عجزت أنا عن إدراكه, و إن عارضتها  فيشرّفني أن يصبح لفكرتي معارضين
البديل يُصنع بيني و بينك، لا يُهدى و لا يُستورد و لا ينزل من السماء (قال تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) و واهم أو ديكتاتور من يتصور أنه يملك البديل جاهزا


تاريخ أول نشر على النات
حمام الشط في 12 ديسمبر 2010

الاثنين، 8 أكتوبر 2012

الإشكاليات العامة في التعليم ؟ مواطن العالَم د. محمد كشكار


يعتبر هذا المقال ترجمة مختصرة مع إضافة متواضعة لمحاضرة ألقاها صديقي العالم الفرنسي في علوم التربية "أندري جيوردان" خلال مؤتمر الأيام الوطنية الثالثة للجمعية التونسية لتعلّمية علوم الحياة و الأرض [ فلسفة تعليم العلومLa Didactique des Sciences ] المنعقد بسوسة من 22 إلى 23 نوفمبر سنة 2007
نبدأ بطرح الأوهام الثلاثة المقترحة لحل إشكاليات التعليم
يتمثل الوهم الأول في الاعتقاد أن الحل يكمن في الرجوع إلى الماضي و يتوهم الدعاة إلى هذا الحل، و هم عادة من المتقدمين أو المتوسطين في السن، أن تعليمهم القديم أفضل و أجدى من التعليم الحالي و أن جيلهم أذكى من هذا الجيل. يعتقد أصحاب الوهم الثاني أن وسائل التكنولوجيا الحديثة ستجيب على كل الإشكاليات المطروحة و أن الحاسوب سيأخذ مكان المدرس. أما دعاة الوهم الثالث فيقولون أنه يكفي أن تقوم بالدرس حتى يتعلّم التلاميذ و لا فائدة من التفلسف في الموضوع
لنعرض بعجالة إشكاليات التعليم
لماذا نقصت الرغبة في التعلم عند تلامذتنا؟ لماذا لا نأخذ في الاعتبار بما فيه الكفاية أسئلة التلاميذ و تصوراتهم العلمية و غير العلمية؟ لماذا يتعرّض بعض صغارنا إلى صعوبات في التعلم؟ ما هي الطرق البيداغوجية المجدية؟ كيف نعلّم؟ أين؟ متى؟ مع من؟ بأي تواتر؟ من خلال أي استراتيجيات؟ ...لكن ما معنى "تعلّم"؟ يبدو بسيطا... يكفي أن نستمع و نحفظ و نعيد. لا، قد يكون معقدا. لا، بسيطا، يكفي أن تكون مغرما و تباشر و تعمل داخل فريق. لا، قد يكون معقدا

أ‌. نذكّر ببعض النماذج التعلّمية المستعملة

1. التعلّم التقليدي عن طريق التلقين

يتمثل هذا النموذج في نقل خطّي و مباشر للمعلومات من باثّ إلى متلق. يتصرف المتعلم كآلة يقبل و يسجل في مخه. مخ دائم الاستعداد مثل الصفحة البيضاء أو الإناء الفارغ و المعلم يخطّ في الصفحة ما يشاء و يملأ الإناء بما يريد

2. التعلّم عن طريق العقوبة و الجزاء

برز هذا النموذج في الستينات في أمريكا على أيد العالمين، مؤسسي المدرسة السلوكية، واتسون و سكينر. يتعامل المدرس مع التلميذ بأسلوب الإثارة و رد الفعل مثل ما يدرّب "بافلوف" كلبه، يجازيه عند الإجابة الصحيحة و يعاقبه إن أخطأ

3. التعلّم عن طريق البناء المعرفي الذاتي

أسس هذه المدرسة البنائية العالم السويسري بياجي. يبني المتعلّم معرفته بالتفاعل مع محيطه و بالتعبير عنه. يصوغ المدرس درسه انطلاقا من حاجيات التلميذ و اهتماماته. نترك التلميذ يكتشف وحده معرفته بعد بحث متردد و تعبير حر و إبداع. عندما ينضج مخ المتلقي، نضعه في "وضعية-مشكل" حتى نثير داخله صراعا معرفيا. لا يحتفظ المتعلم إلا بالمعلومات التي ينتظرها و التي تنضوي تحت قناعاته الشخصية و التي تجلب له اللذة و تمسه و تستدرجه و تريحه في موقفه. لا يهتم المتعلم بكل المعلومات الأخرى أو يرفضها حتى و لو كانت عملية وتملك احتمالا هائلا من اليقين. لا يرى التلميذ إلا ما يريد مخه أن يرى فهو إذا لا يرى الحقيقة مباشرة بل يراها من خلال مصفاة مركبة في مخه. لا يتم اكتساب المعرفة إلا في ظروف معينة، ففي أكثر الأوقات يرفض التلميذ المعلومات الملقنة أو التي يعاد اكتشافها أمامه بطريقة غبية. يتعلم التلميذ بإفراغ المعلومات غير الملائمة بمثل ما يتملّك الملائمة. ينتج التعلّم عن سياق من التغييرات المتعددة، تغييرات في الأسئلة و في الفكرة الأولية و في طريقة التفكير الاعتيادية، ألخ

4. التعلّم عن طريق البناء المعرفي الاجتماعي
أسس هذه المدرسة البنائية الاجتماعية العالم السوفياتي فيقوتسكي في الثلاثينات. اكتشف هذا العالم منطقة في النموّ الذهني و سمّاها "المنطقة الأقرب للنمو الذهني
ZPD: Zone proximale de Développement
يعرّفها في النقاط التالية
- ما يقدر الطفل على إنجازه، بالتفاعل مع محيطه و بمساعدة المدرسين و بحضور أقرانه، و هو الذي يحدّد مستوى "منطقته الأقرب لنموه
- ما يقدر الطفل على إنجازه اليوم بمساعدة المدرّسين و بحضور أقرانه، قد يستطيع تحقيقه بمفرده غدا
- يختلف مستوى حل المشاكل الذهنيّة الذي يصل اليه الطفل بمفرده عن مستوى حل المشاكل الذي يصل إليه مع أقرانه و تحت إشراف مدرّسيه ومساعدتهم

5. التعلّم عن طريق التفكيك و البناء في آن واحد

أضاف هذا النموذج أخيرا العالم الفرنسي المذكور في المقدمة و المدعو جيوردان. تعتمد هذه المقاربة الحديثة على تغيير نمط التفكير بالتأثير في محيط المتعلّم الذي يتفاعل مع تصوراته. ينتج التعلّم عن سيرورة من الصراع المعرفي لدى المتعلم حيث يفكك تصوراته غير العلمية القديمة و يبني مكانها تصورات علمية جديدة. يتعلم المتلقي وحده لكن ليس وحده تماما، يتعلّم مع و ضد تصوراته غير العلمية، يتعلّم بالتفاعل مع محيط وثيق الصلة بتصوراته، يتعلّم عندما يكون التعليم المطروح عليه يعني شيئا بالنسبة له و يرى فيه قيمة، يتعلّم عندما تستوقفه المعطيات و تربكه و تعينه على الإبداع. ينطلق المدرس من التصورات غير العلمية للتلميذ ليبدلها بمعية التلميذ نفسه إلى تصورات علمية. تحتاج العملية التربوية إلى محيط معقد و مفارق و ظاهري التناقض. يحاول المعلّم نقل شغفه بالعلم للتلميذ حتى يحضى بحبه و تقديره

6. التعلّم عن طريق نقل مهمة التعليم من المدرس إلى التلميذ

يستقيل المدرس مجازيا من مهمة التدريس و يسلّم إلى التلميذ مهمة التعلّم. من المفروض أن يجلس مدرب فريق كرة على خط التماس و لا يلعب مكان لاعبيه. يحضّر المدرس جيدا الوضعية التعلّمية في المنزل ثم يعرضها عل تلامذته مع توفير المحيط الملائم و يتركهم أحرارا يبحثون عن الحل دون شرح و توجيه هم في غنى عنه

7. التعلّم عن طريق التقليد

يتعلّم الولد من أمه أشياء كثيرة دون برنامج مسبق، يتعلم اللغة و الأخلاق و السلوكيات. يتعلّم صبي النجار أو الحداد أو الميكانيكي المهنة من صاحبها دون تنظير أو منهجية محددة. يتعلّم الابن من والده الفلاحة أو صيد السمك بالتقليد المباشر و الممارسة اليومية دون كتابة و لا قراءة

ب‌. نمر إلى وسائل التعلّم

1. معرفة تصورات التلميذ

سبق أن كتبت و نشرت مقالين على النات في هذا الموضوع: "التصوّرات غير العلمية لا تزول بسهولة" و "هل يستطيع التلميذ بناء معرفة علميّة جديدة فوق معرفته غير العلميّة القديمة

2. بعض صفات التلميذ

يقول التلميذ: أنا معني بعملية التعلّم, إذن أنا مسؤول عنها. أجد فيها متعة و فائدة و معنى. أثق في نفسي و في أقراني و في معلّمي، أكوّن علاقات معهم. أرسّخ معطيات و أبحث عن وسائل تساعدني على التفكير مثل الرموز و الرسوم البيانية و الاستعارات و المجازات و النماذج. أعطي قيمة للمعرفة و فائدتها. أوظف معارفي في المكان المناسب و التوقيت المناسب. أواجه نفسي بمعلومات مغايرة و مختلفة. أتراجع ثم أتكئ وقتيا على تصوراتي القديمة. أنهض و أستوعب ثم أكتسب التصورات العلمية الجديدة و أنطلق

3. بعض صفات المدرس

على المدرس أن يكون و في الوقت نفسه ناقلا للمعلومات و مخرجا للوضعيات التعلّمية و مرافقا و سندا للتلميذ. عليه خلق رغبة التعلّم عند التلميذ و توفير المحيط المناسب لها. عليه تمرير دوافعه و محفّزاته و رغباته المعرفية للتلميذ. عليه إضفاء معنى لمحتوى درسه

4. بعض استراتيجيات المدرس

يخلق المدرس الاحتياج للمعرفة عند التلميذ. يشجع التلميذ بتشريكه في مشروع يحتوي على ألعاب و مواجهات فكرية و أعمال مجموعات و تحدّيات و أشياء جديدة فيها بعض المجازفة و هامش من الاستقلالية. يوفّر المدرس للتلميذ نشاطا يشدهه و يرغب فيه. يحتوي هذا النشاط على مشروع للوجود و الفعل لدى التلميذ

ج. خلاصة القول

التعلّم هو سيرورة معقدة لا تمرّر بوصفات جاهزة. قد يكون التلقين صالحا في وضعية تعلّمية لا يقدّم فيها الحوار و لا يؤخر. إذا أردنا التغلب على العقبات بسهولة فعلينا تداول استعمال النماذج التعلّمية بيسر حسب الجمهور المستهدف و الوضعية التعلّمية

إمضائي المتكرّر و المحيّن و المتطور و المتغيّر دائما حسب قراءاتي الجديدة و المتنوّعة في كل المجالات المعرفية الحديثة غربيا و عربيا. مواطن العالم د. محمد كشكار

ينبغي التوضيح بداية أن النقد يعني عندي الكشف عن الاستخدامات المتعددة و المتباينة للمفهوم في السياقات الاجتماعية و التاريخية المختلفة. مما يعني أيضا كسر صنمية المفهوم أو عدم تحويل المفهوم إلى صنم جامد، له دائما المعنى نفسه و الاستخدام نفسه و الوظيفة ذاتها (إضافة د. م. ك: كالمفاهيم القاموسية المتداولة غير الدقيقة مثل مفهوم اليسارية و العَلمانية و الديمقراطية و الإسلام و الاشتراكية و حقوق الإنسان و حرية التعبير و المساواة بين المرأة و الرجل و حرية المعتقد و غيرها. و هذا هو النقد الذي وجهته و لا زلت أوجهه لمفاهيم العلم و المعرفة و التعليم و التربية و التكوين و اليسارية و العَلمانية و القومية و التراث الإسلامي و الإسلاميين و الستالينيين و القوميين و المنبتين ثقافيا و المنحازين للغرب دون غربلة أو نقد و حاولت من خلال هذا النقد الهدام و البنّاء في الوقت نفسه أن أبين الاستخدامات غير العلمية التي تعرضوا لها في السياق الغربي و العربي الحديث). برهان غليون
أنا أعتبر نفسي سليل الفكر الإسلامي و القومي و الماركسي و الليبرالي و الإنساني معا (إضافة د. م. ك: أعيد الترتيب و أقول: أنا أعتبر نفسي سليل الفكر الماركسي و اليساري الليبرالي الإنساني النقدي و الإسلامي في العقد الأخير معا). فليس هناك تمثل من دون نقد. فأنا أعتبر نفسي ثمرة النقد المثلث للإرث الإنساني الليبرالي و الماركسي و القومي (إضافة د. م. ك: و الإسلامي منذ عام 2000) و لا أعتبر نفسي غريبا عنه في مكوناته المختلفة. و أنا سليل هذه المكونات الفكرية بمعنى أنني ثمرة لها و في الوقت نفسه ثمرة التأمل النقدي فيها. برهان غليون

Les idéologies sont liberté quand elles se font, oppression quand elles sont faites. Sartre
جميع الأديان و النظريات الفكرية تتحول بعد فترة معينة من أنظمة منفتحة إلى أنظمة منغلقة و دغمائية. هاشم صالح
فأي دين يستخدم سياسيا بدون أي تأطير علمي أو نقدي يتحول بسرعة إلى إيديولوجيا ظلامية. محمد أركون
العقل الفلسفي هو نقدي تساؤلي استفزازي بالضرورة. و بالتالي فيشكل السلاح الفعال ضد جميع الانغلاقات الدغمائية و الأيديولوجية. هاشم صالح
الذهن غير المتقلّب غير حرّ
لا أحد مُجبر على التماهي مع مجتمعه. لكن إذا ما قرّر أن يفعل، في أي ظرف كان، فعليه إذن أن يتكلم بلسانه (المجتمع)، أن ينطق بمنطقه، أن يخضع لقانونه. عبد الله العروي
يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه و يثقوا في خطابه أما أنا - اقتداء بالمنهج العلمي - أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات و أنتظر منهم النقد المفيد
لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة و البراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى و على كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف اللفظي أو المادي
الكاتب منعزل إذا لم يكن له قارئ ناقد
عزيزي القارئ, عزيزتي القارئة، أنا لست داعية، لا فكري و لا سياسي, أنا مواطن عادي مثلك، أعرض عليك وجهة نظري المتواضعة و المختلفة عن السائد, إن تبنيتها, أكون سعيدا جدا, و إن نقدتها, أكون أسعد لأنك ستثريها بإضافة ما عجزت أنا عن إدراكه, و إن عارضتها فيشرّفني أن يصبح لفكرتي معارضين
البديل يُصنع بيني و بينك، لا يُهدى و لا يُستورد و لا ينزل من السماء (قال تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) و واهم أو غير ديمقراطي من يتصور أنه يملك البديل جاهزا
L’intellectuel est une création du XIXè siècle qui disparaîtra à la fin du XXè ou du XXXè parce qu’il est fait pour disparaître. L’homme qui pense pour les autres, cela n’a pas de sens. Tout homme qui est libre ne doit être commandé par personne que par lui-même. Jean-Paul Sartre
Faire avec les conceptions non scientifiques pour aller contre ces conceptions et construire en même temps des conceptions scientifiques. Citoyen du monde Dr Mohamed Kochkar
الحوار (د. م. ك: الحوار بين اليساريين التونسيين و الإسلاميين التونسيين) لا يمكن أن يتم بالعقليات التقليدية، لا بد له من عقلانية مركبة ذات رؤية منفتحة لا مغلقة وصيغة مرنة لا جامدة وبنية مركبة لا بسيطة ومنهج تعددي لا أحادي ونظام متحرك لا ثابت، خصوصاً ونحن نلج في عصر تبدو فيه المعطيات في حركة متواصلة وسيلان دائم. علي حرب
في النهاية أنا مواطن فقير بسيط عادي و أقرب المثقفين اليساريين ماديا إلى طبقة البروليتاريا، مواطن منعزل و معزول قصدا من اليسار و اليمين بسبب نقدي للاثنين معا. لا أنتمي لأي حزب و لا أومن بأية إيديولوجية يسارية كانت أو يمينية لكن أومن بالمُثل العليا سماوية المصدر أو إنسانية الإبداع
لا حول لي و لا قوة إلا بالله و الشعب و الفكر و الثقافة الإنسانية و العلم و التكنولوجيا و المعرفة و نقد المعرفة و ليس لي أي وزن أو تأثير مباشر على الأحداث و أمارس النقد الفكري و السياسي و الاجتماعي و العلمي و الثقافي كهواية أدبية دون اختصاص في هذا المجال الواسع و لا أملك بدائل جاهزة لِما أنقد لأن النقد مؤسسة قائمة بذاتها و غنية بما تقدّمه للمبدعين و الناس العاديين، كل في مجاله، و أرى أن البديل ينبثق انبثاقا من صنع و تفاعل أصحاب المشكلة فيما بينهم و أهل مكة أدرى بشعابها
يبدو لي أن المثقف العربي توغّل في نقد الإنتاج الثقافي العربي و نسي نقد آلة الإنتاج نفسها المتمثلة في المثقف العربي نفسه
محمد كشكار, أستاذ تعليم ثانوي أول فوق الرتية في علوم الحياة و الأرض منذ 37 سنة و دكتور في تعلّميّة البيولوجيا متخرج سنة 2007 تحت إشراف مشترك من جامعة تونس وجامعة كلود برنار بليون 1 بفرنسا
أعرّف نفسي كديمقراطي مُعجب بالنمط الأسكندنافي لكن متماهي مع مجتمعي التونسي الإسلامي العربي الأممي (تونس تبربرت و ترومنت و تقرطجت و تأسلمت و تعرّبت و تعولمت فتتونست و هي انبثاق من تفاعل كل هذه الحضارات جميعا)، و هذا تعريف لوحده مُبِين، أتبناه حيطة و حذرا علميا، لا هروبا و تقية من التعريفات السائدة كاليسارية و العَلمانية و الحداثة، هذه المفاهيم الثلاثة الأخيرة التي شُوهت عن قصد سياسي و غير علمي من قبل أعدائها و غير المطلعين على تراثها العالمي الرحب و الغني، هم اليمينيون المثقفون و غير المثقفين الذين حمّلوها ما لا تتحمل و نسبوا لها جهلا و ظلما و بهتانا مفاهيم غريبة عنها كالميوعة و "قلة الرجولية" و الكفر و الإنبتات و الخيانة الوطنية. لكن في المقابل - و للأسف الشديد - لم يطورها محتكروها الشيوعيون و القوميون و الاشتراكيون و لم يخلّصوها من بعض المفاهيم الشوائب التي لصقت بها منذ ثلاثة قرون تقريبا و لم يسلّطوا نقدهم الذاتي العلني على بعض مفاهيمها المتكلّسة كشيطنة الإسلام السياسي (أفهمه فقط كرد فعل شرعي للدفاع عن النفس ضد تهديدات المتطرفين منهم، الداعون لقتلهم و نفيهم و صلبهم و تقطيع أيديهم و أرجلهم من خلاف، لا لشيء سوى معارضتهم لهم سياسيا و سلميا بالمظاهرات و الاعتصامات التي لا تعطل مرفقا عاما) و دكتاتورية البروليتاريا و الحزب الطلائعي الأوحد و عبادة و تقديس الشخصيات التاريخية السياسية مثل الحكام الدكتاتوريين كلينين و ستالين و ماو و كاسترو و عبد الناصر و صدام و الأسد مع احتفاظي باحترامي التام للتابعين لهؤلاء من الرفاق المعاصرين المناضلين التونسيين النقابيين القاعديين اليساريين الصادقين النزهاء الذين تربيت وسطهم و ناضلت معهم و أعترف و أشهد لهم بالوطنية و الشجاعة أيام معارضتهم لبورقيبة و بن علي و الحكومة الحالية
أنهي إمضائي بمقولتين توفيقيتين جميلتين من مصدرين ظاهريا مختلفين بل متناقضين لكنهما ينتميان إلى التراث الإنساني العالمي المتسامح و لا يستطيع أن ينكرهما أي من الخصمين الفكريين، اليساريون و الإسلاميون: حديث للرسول صلى الله عليه و سلم: "لن يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" و مقولة ماركسية، نهاية في نكران الذات: "مِن كل حسب جهده و لكل حسب حاجته" و السلام على اليسار و اليمين المطبوعين تونسيين رغم أنفهما

تاريخ أول نشر على النات
حمام الشط في 16 ماي 2010

ملاحظة:
أندري جيوردان خلف العالم السويسري المشهور بياجي في منصبه و أسس مخبر تعلّمية و ابستومولوجيا العلوم بجنيف منذ وفاة الأخير في 1980
[Laboratoire de didactique et épistémologie des sciences (LDES) ]

هذا ما أقوله لتلامذتي في الحصّة الأولى. مواطن العالَم د. محمد كشكار

هذا ما أقوله لتلامذتي في الحصّة الأولى. مواطن العالَم د. محمد كشكار 

أطرح عليكم هذا الاجتهاد الشخصي حول طرق التدريس و أعرضه عليكم للنقد لأن النقد يصقل و يطور الفكرة أما الشكر فهو يخدّر العقل و يقتل الإبداع

أقول لتلامذتي في الحصة الدراسية الأولى في أول السنة ما يلي
أهلا و سهلا بكم في قسمكم و معهدكم و أتمني لكم عاما سعيدا سوف يتوج بالنجاح إن شاء الله و إن عملنا معية لتحقيق ذالك
بعد التحية, أعرّف بنفسي: أنا أستاذ علوم الحياة و الأرض, عينوني منذ 37 سنة أستاذا لتدريس هذه المادة و منحوني بكل مجانية "ترخيصا للتدريس مدي الحياة دون قيد أو شرط" و ما زلت أمارس هذه المهنة بكل رغبة و لذة التدريس. آليت علي نفسي أن أحسّن مستواي العلمي و البيداغوجي و التعلمي  لذلك لا زلت حتى الآن أتعلم مثلكم و أتعلم منكم أيضا و أنا علي قاب قوسين أو عامين من التقاعد
نمر الآن إلي المهم و هو "العقد ألتعلمي"  الذي يربط بيني و بينكم و هو عقد ضمني غير مكتوب و مسكوت عنه من جل مدرسي الابتدائي والثانوي و العالي دون قصد


سأحاول شرح هذا العقد حتى تتبين الحقوق من الواجبات

v    سنبدأ ببعض الحقوق التي كفلها لكم القانون و لا تتمتعون بها فعليا إما بتقصير منكم أو بتعسف من غيركم

  • أول حق هو حقكم في الاحترام الكامل من طرف المدرس و الإدارة و العملة، يعني ممنوع اللمس و الضرب 
 و السب و الشتم و الإقصاء المجاني و تخفيض العدد و التدخل في الشؤون الخاصة و التشهير بالأخطاء
  •  ثاني حق هو حقكم في فهم الدرس حتى و إن أدى الأمر إلي تأخير في البرنامج
  • ثالث حق هو حقكم في نقاش العدد الذي يسند إليكم و مقارعة الأستاذ الحجة بالحجة بكل أدب و لياقة


v    و لكم  بعض الواجبات

  • أول واجب هو احترام المدرس و ليس تقديسه لأنك لو لم تحترم المدرس فلن تتركه يقوم بواجبه و لن تستفيد من علمه و لو قدسته فلن تستفيد أيضا لأنك ستصدق كل ما يقوله و أنت مسلوب الإرادة و العلم لا يطلب التقديس بل يطالب بالنقد فهو مبني علي الخطأ  و الصواب
  • ثاني واجب هو عدم التأخر الزمني في الحضور و عدم تعطيل سير الدروس و الانتباه لكل ما يقوله الأستاذ أو التلاميذ المتدخلون في القسم
  • ثالث واجب هو مراجعة الدروس في المنزل ليس لأن المدرس كلفك بها فقط بل لأن المعلومات لا تفهم و لا تستقر في الذاكرة إلا بالمراجعة و الهضم الشخصي المتأني و القيام بالتمارين و الذكاء يكتسب و لا يورّث


v    أعود بعد ذكر بعض الحقوق و بعض الواجبات إلي طريقتي الخاصة في العمل و التعامل مع التلاميذ و هي وليدة تجربة و علم حيث أقول لهم

  • لن أستعمل سلاح العقوبات المدرسية التأديبية مهما فعلتم حتى و إن وصل الأمر إلي التعرض لي في الشارع رغم إيماني الراسخ بأن انعدام الانضباط في المعهد قد يمثل صورة من صور إهمال تربية التلميذ. اشطبوا إذا بالأحمر كلمة " عقوبة" علي الأقل معي أنا، لأنني لست مسؤولا عن زملائي و لا عن الإدارة و لا عن الوزارة. و هذا الموقف من العقوبة ليس طيبة و لا كرما مني بل هو موقف علمي مبني علي اطلاع واسع علي تجارب تربوية في مجتمعات أخري. و كلامي هذا لا يعني البتة التشجيع علي التسيب لهذا سأقترح عليكم بعض الإجراءات، إن وافقتم عليها فستقوم مقام القانون بيننا: يقصي من القسم كل تلميذ  يعطل سير الدرس و لا يستجيب لتحذيرات المدرس المتكررة و كل من يقل أدبه علي زميله أو علي المدرس. الحكمة من هذا الإجراء هو حماية الأكثرية من أخطاء الأقلية و تجنيب التلاميذ الوضعيات غير الحضارية و غير التربوية كالمواجهة الكلامية بين المدرس و التلميذ في القسم. بعد خروج التلميذ يهدأ المدرس و يواصل درسه و يهدأ التلميذ خارج القسم. فإذا كان المدرس مخطئا، يدعو التلميذ إلي الرجوع للقسم و يعتذر له أمام الملأ و إذا كان التلميذ مخطئا، يرجع للقسم بعد دقائق و يطلب العفو من المدرس و يواصل التعلّم. يسند واحد علي عشرين لكل من يضبط في محاولة أو عملية غش في الامتحان لأنه سيتفوق علي زملائه دون وجه حق و سيأخذ عددا مرتفعا لا يدل على مستواه العلمي الحقيقي و قد يعلمه هذا السلوك غير التربوي الكسل و الاعتماد على الحيلة لتحقيق النجاح. و لن أحيله على مجلس التربية لأن لا يعاقب على جرم شجعته الظروف المحيطة على ارتكابه بسبب الضغوطات الخارجة عن نطاقه مثل اكتظاظ القسم و طول البرنامج أو عدم ملائمة هذا الأخير لاهتمامات التلميذ

  • سأقترح عليكم بعض الأدوات المدرسية و أترك لكم حرية اختيار النوعية الغالية منها أو الرخيصة حسب إمكانياتكم المادية إلا الكتاب المدرسي فهو إجباري و ضروري و سنستعمله في القسم و في المنزل للاستفادة من المعلومات و التمارين. تمنيت لو كان الكتاب اختياريا أيضا مثل ما هو موجود في البلدان المتقدمة

  • ألاحظ دائما مستوي متواضعا في اللغة الفرنسية لدي تلاميذ السنة أولى الثانوي بسبب التعريب الكامل في التعليم الأساسي [في تونس يدوم التعليم الأساسي تسع سنوات من الأولى أساسي إلى التاسعة أساسي يعني مرحلة الابتدائي و مرحلة الإعدادي, يدرس التلاميذ باللغة العربية الرياضيات و الفيزياء و التقنية و علوم الحياة و الأرض] لذلك ألفت انتباهكم إلي أهمية هذه اللغة في تكوين مستقبلكم الدراسي و ليس أدل علي ذالك أنكم في مرحلة الثانوي تدرسون بالفرنسية الرياضيات و الفيزياء و الكيمياء و التقنية و علوم الحياة و الأرض و الإعلامية و في مرحلة الجامعة  تدرسون بالفرنسية أيضا الطب و الهندسة والطيران و كل الشعب العلمية دون استثناء. لا تتجاهلون إذا اللغة الفرنسية لأن لا يتجاهلكم العلم الحديث. و أحسن طريقة لتحسين مستواكم هو استعمالها في القسم و خارج القسم. لا تغفلوا أيضا تعلم اللغة الأنقليزية فهي اللغة العالمية الأولى. أما اللغة العربية فهي هويتكم و لغتكم الأصلية و أوصيكم بها خيرا لأن اللغة يفرضها رجالها و نساؤها و تقدم بلدانها و ازدهار تراثها

  • أرى أن "خطأ التلميذ في القسم" أصبح يُعتبر إيجابيا و هو محرك الدرس. كان وضع الخطأ سلبيا في المنظومة التربوية فأصبح الآن ايجابيا. فكلما أخطأ التلميذ أكثر، استفاد هو و زملاؤه أكثر، و نجح الدرس أكثر


  • أما تقييم الامتحانات فيخضع إلى ضوابط علمية : لديكم ثلاثة فروض كل ثلاثة أشهر, فرض في الأشغال التطبيقية داخل القسم و فرض مراقبة بنصف ساعة يحتوي علي أسئلة مباشرة حول الثلاث دروس الأخيرة و فرض تأليفي في آخر الثلاثي يتكون من أسئلة تخص الذاكرة و الفهم و الرسم و الملاحظة و خاصة توظيف المعلومات

  •  أرى أن من حق التلميذ المطالبة بمقياس الإصلاح في بداية الامتحان حتى يستفيد منه أثناء الإجابة و عند الإصلاح


  • يوجد - كما تلاحظون داخل القاعة - مخبر إعلامية خاص بعلوم الحياة و الأرض، و هو الوحيد في المدارس الإعدادية و المعاهد غير النموذجية في الجمهورية التونسية. سنحاول استغلال الحاسوب و الاستفادة من  مزاياه المفقودة عند المدرس وفي الكتاب المدرسي التونسي و هي كثيرة نذكر منها علي سبيل الذكر  لا الحصر : الحاسوب لا يضرب و لا ينهر. الحاسوب لا يتعب و لا يمل من الإعادة و التكرار. الحاسوب يوفر  أستاذا افتراضيا تحت الطلب في المعهد و الشارع و المنزل و في القطار إن شئتم. يوفر أستاذا افتراضيا يختاره التلميذ من تونس أو من الصين. يملك الأستاذ الافتراضي في الحاسوب من المعلومات ما لا يملكه كل أساتذة العالم مجتمعين. يقدم الأستاذ الافتراضي في الحاسوب صورا علمية تفوق ألف مرة في الدقة و الوضوح و الألوان ما يقدمه الكتاب المدرسي التونسي الوحيد و الإجباري. يجعل الأستاذ الافتراضي القلب ينبض في الحاسوب أمام عينيكم و يحيي افتراضيا العظام و هي رميم فتري الديناصور يقفز و يطير

البصمة الفكرية للـد. م. ك
بكل شفافية، أعتبر نفسي ذاتا حرة مستقلّة مفكرة  و بالأساس مُنتقِدة، أمارس قناعاتي الفكرية بصورة مركبة، مرنة، منفتحة، متسامحة، عابرة لحواجز الحضارات و الدين و العرق و الجنس و الجنسية و الوطنية و القومية و  الحدود الجغرافية أو الأحزاب و الأيديولوجيات
على كل مقال سيء، نرد بمقال جيد، لا بالعنف المادي أو اللفظي أو الرمزي

Mes deux principales devises dans la vie, du moins pour le moment :

-         Mohamed Kochkar : faire avec les conceptions non scientifiques (ou représentations) pour aller contre ces mêmes conceptions et en même temps auto-socio-construire à leurs places des conceptions scientifiques.

-         J. P. Sartre : Les idéologies sont liberté quand elles se font, oppression quand elles sont faites.

إمضاء جديد و محيّن للـ د. محمد كشكار

مواطن العالَم (أعتذر لكل المواطنين في العالَم غير الغربي على فعله و يفعله بهم حتى الآن، إخوانهم في الإنسانية، المواطنون في العالَم الغربي)، مسلم (أعتذر لكل المواطنين غير المسلمين على ما فعله بهم أجدادي المسلمون)، عربي (أعتذر لكل المواطنين غير العرب على ما فعله بهم أجدادي العرب) تونسي (أعتذر لكل المواطنين التونسيين على ما فعله بهم نظام بورقيبة و نظام بن علي طيلة سنوات الجمر الخمسة و خمسين)، "أبيض- أسود" البشرة (أعتذر لكل المواطنين السود في  العالَم  علىِ ما فعله أجدادي البيض بأجدادي السود)، يساري غير ماركسي (أعتذر لكل المواطنين غير اليساريين و لليساريين غير الماركسيين في  العالَم  علىِ ما فعله بهم رفاقهم الماركسيون اللينينيون الستالينيون الماويون)، و غير منتم لأي حزب أو أي أيديولوجيا ( أعتذر لكل المواطنين غير المنتمين حزبيا أو أيديولوجيا في العالَم عن كل خطأ ارتكبته في حقهم الحكومة و المعارضة و المتعاطفين معهما




تاريخ أول نشر على النات
حمام الشط في 27 نوفمبر 2008


الاثنين، 1 أكتوبر 2012

في اليوم العالمي للمربي.. المعلم في المنظومة التربوية التونسية

الصباح : بقلم: منذر الكنزاري ـ يحتفل العالم اليوم 5 أكتوبر من كل سنة باليوم العالمي للمربي، هذا اليوم لم يكن صدفة وإنما جاء تقديرا واحتراما لجهود المربي لما يقوم به من عمل جبار في سبيل نشر العلم والمعرفة والأخلاق والقيم والتصدي للجهل والأمية...كما أن اليوم العالمي للمربي جاء ليضع المربي بصفة عامة في موقعه الصحيح ويذكره دائما أنه مسؤول عن إعداد أناس صالحين للمجتمع على اعتبار أن التربية في مفهومها العام هي إعداد الفرد ليسعد نفسه أولا وغيره ثانيا...
وهذا ما ألاحظه في المدرسة بحكم أنني أمارس مهنة التعليم منذ ما يقارب الخمسة عشرة سنة، فأرى النشاط والحيوية والعزيمة تميز حياة المعلم كل يوم، بل كل ساعة، وكل دقيقة فهو الذي يعد الدروس ويخطط لها ويلقن ويوجه ويربي ويرعى ويحيط تلاميذه بالرعاية والعناية البيداغوجية والنفسية وحتى المادية والاجتماعية، إذا فالمعلم كالشمعة يحترق ليضيء على الآخرين، فهو المسؤول عن تحرير التلاميذ لأن العلم حرية، يحررهم من الجهل والخوف والأمية والخرافات والتقاليد البالية..
فالأوصاف تبنى بالعلم والثقافة والتربية... وهذا ما تؤكده المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلم «اليونسكو» عندما تعرف التنمية بأنها العلم عندما يصبح ثقافة، كما أن الدول المتقدمة يقاس تقدمها بمدى نجاعة وقوة أنظمتها التربوية والبيداغوجية، وجزء كبير من النظام التربوي الناجح والناجع هو قوة شخصية المربي... لكن ما ألاحظه اليوم في واقع المعلم في المدرسة التونسية أجده لا يتطابق مع ما يجب أن يكون عليه المعلم وللأسف أراه كل يوم يغرق في النمطية القاتلة التي حولته الى مجرد أداة يقتصر دوره في إعداد دفتر الدروس والمذكرات والمعلقات.. وأصبح عمله تكرارا واجترارا لما قام به من قبل ففقد بالتالي القدرة على رؤية واقعه التربوي رؤية نقدية وموضوعية صحيحة تجعل منه بحق مربيا في مستوى المسؤولية التربوية، الحضارية والأخلاقية المناطة بعهدته لأن التعليم عملية إبداع وخلق وابتكار وصناعة... ومهنة راقية جديرة بالاحترام ولا يمكن الاستهانة بها، أما إذا انحرف المعلم عن هذا المسار فإنه يسقط تبعا لذلك في الرتابة والدونية ويصاب بالانحراف المهني الذي ربما هو أخطر من الانحراف الأخلاقي، فأغلب المعلمين يدور حديثهم حول تواريخ تفقداتهم والأشهر التي من المزمع أن يخضعوا فيها للتفقد، وكم أضاف لي هذا المتفقد... في حين أن العملية التربوية أرقى وأسمى من أن تحشر في هذا النهج الضيق، كان يفترض أن يتساءل المعلم عن أسباب تدني مستوى التلميذ اللغوي والمعرفي والأخلاقي... أو يتساءل المعلم عن أسباب تدني مستوى التلميذ اللغوي والمعرفي والأخلاقي... أو يتساءل لماذا فقد المعلم دوره التنويري والطلائعي في المدرسة والمجتمع؟ أو ما هي الحلول الحقيقية القادرة على تطوير تعليمنا في الاتجاه الذي يخدم الناس والمجتمع والوطن ككل؟ أليس تاريخ تقدم البشرية هو تاريخ السؤال والنقد والملاحظة والآراء والمواقف البناءة والجادة...؟ وهنا لست قاضيا لأحاكم المعلمين وإنما أردت أن أعبر عن وضعية تعيسة وهزيلة يعيشها المعلم خاصة أننا نعيش في عالم متقلب ومتشابك ومتغير في كل لحظة من لحظاته، والمعلم مطالب إذا أراد أن يكون معلما بحق أن يواكب كل ما يحيط به في هذا العالم والا فقد القيمة المعرفية والشخصية القوية التي كان يتمتع بها.
فالمعلم الذي كاد أن يكون رسولا فقد السيطرة حتى على أبنائه وهذا ما تؤكده إحدى الدراسات التي تقول أن نسبة أبناء المعلمين الناجحين الى الجامعة التونسية تراجعت بنسبة كبيرة في السنوات الأخيرة، فأغرق المعلم وأغرق نفسه في شكليات لا يرجى منها أي خير وبدل من مراجعة نفسه وتقييم مسيرته المهنية ونقدها بكل شجاعة وثقة في النفس، انكفأ على نفسه وتقوقع وأصبح يبحث عن إرضاء المتفقد والمرشد ودروس التدارك أكثر من البحث عن إرضاء نفسه وضميره، لأن التغيير والسعي الى التغيير من أهم مبادئ الحياة والإنسان الواعي بصفة عامة مطالب بالوقوف عند كل دقيقة من دقائق حياته يتمعن ويدرس ويفكر يحلل وينقد ويبدي رأيه ويلاحظ...وهذا جوهر العمل الحقيقي لأن العمل تاريخيا حرر الانسان ولم يسجنه... لكن نرى المعلم اليوم سجين مذكراته ومعلقاته وتفقداته وكأنه محكوم عليه بالأشغال الشاقة والذي زاد الطين بلة بعض المتفقدين والمرشدين الذين مارسوا على المعلم نوعا من التسلط الاداري والبيداغوجي الذي حال دون أن يطور المعلم نفسه في الاتجاه الصحيح ويعمل في ظروف تسمح له بأن يبدع ويطور ويغير ويعد أناسا صالحين للمجتمع كما أن برامج الوزارة المرتجلة والتي لا تعزى الى استراتيجية عمل صحيحة تفقد المعلم لذة العمل..
لاحظت من خلال قربي من المنظومة التربوية أن هناك علاقات عمودية في علاقة الوزارة والمتفقد بالمعلّم وهذا قمة التخلف، ولايخدم العملية التربوية في حد ذاتها، فهناك، ترتيب تفاضلي هرمي في علاقة الشركاء التربويين في بعضهم البعض ففي الدول المتقدمة: وأي عمل يمارس فيها جدير بالاحترام والتقدير ومهما كان نوع هذا العمل، أما الدول المتخلفة فيصنف العمل فيها حسب الدخل الشهري وحسب الموقع والقرب أو البعد من مراكز القرار بينما المنطق يفرض أن نصنف العمل حسب قيمته الحضارية والمعرفية والثقافية وبالتالي أدعو كل معلم أن يصنف نفسه رقم واحد في مدرسته وحتى في مجتمعه نظرا لما يقوم به من عمل حضاري وإنساني، فأروبا التي نعتبرها نموذجا للتقدم والتطور تضع مهنة التعليم في خانة الاعمال الصعبة والشاقة وتسند للمعلم المنح والحوافز والتشجعيات كمكافأة على الجهد المبذول، بينما نحن نقصي ونهمش المعلم ونزج به في وضعيات سيئة سامح الله الانظمة للسياسة التي تعاقبت على تونس خلال العقود الماضية، ودجنت التعليم وجعلت منه مجرد خادم للسياة وبوق دعاية لها على مر السنين.
إن سياسة تحقير وتهميش وضرب التعليم هي التي أدت بالمعلم الى مثل هذه الوضعية التي كنا نتحدث عنها وهي عملية مقصودة خاصة من نظام بن علي الذي كان يدرك أن النظام التربوي القوي كفيل بمزاحمته والإطاحة به، وهذا ما نلاحظه من خلال تتبع مسيرة التعليم في بلادنا، إذ أفرغ التعليم من محتواه الحضاري ، الإنساني، الأخلاقي والتربوي... وأصبح مجرد مواد تدرس في القسم ولا علاقة لها بالمجتمع والمستقبل والتنمية بصفة عامة.
فالسياسة في خدمة التعليم وليس العكس والسياسة أيضا في خدمة المعلم والتلاميذ ونحن عندما نقول هذا نريد أن يكون لنا معلم في منظومتنا التربوية يحرر التلميذ لا أن يروضه وفق نظام سياسي دكتاتوري، نريد معلما يخلق في الطفل القدرة على التعلم بنفسه والقدرة على التغيير وبناء مصيره بنفسه عندما يكبر، لا نريد أن تنتج لنا المدرسة شخصية ضعيفة سلبية بكل شيء حتى وأن كان «غول».
وأخيرا أحمّل المعلم مسؤولية كبيرة في إعادة صورته الحقيقية التي كان يتمتع بها وذلك بمراجعة ونقد عديد الأشياء التي ظلت لفترة زمنية طويلة مسكوت عنها وذلك بطرح أسئلة علها تساعد المعلم على العودة الى مركزه الحقيقي خاصة بعد ثورة 14 جانفي التي نأمل أن يساهم المعلم في إنجاح هذا الحدث التاريخي الذي عاشته تونس وهو الإطاحة بالدكتاتورية وهذه الاسئلة تتمثل: لماذا أعلّم التلاميذ؟ كيف أعلّمهم؟ ماذا يمثل المعلم في المنظومة التربوية الحديثة؟ ما هي آفاق التعليم في ظل مواصلة تهميش هذا المربي؟ ما هو الدور الحقيقي الذي يفترض أن يقوم به المعلم؟ أهو دور تعليمي أم أن له أدوار أخرى مطالب بالقيام بها؟
معلّم تطبيق