الأحد، 18 نوفمبر 2012

من أجل ممارسة بيداغوجية تشجّع على استثمارالمكتسبات خارج المدرسة 1/2

الصباح : 
بقلم: د.الفاضل الحرزلي - قد يبدو من السابق لأوانه تحديد ممارسات بيداغوجية تفضي إلى نقل أثر التعلّمات لكن الطابع الاستعجالي لإصلاح منظومتنا التربوية لاسيما في ما يتعلق بتكوين المدرسين يحظر انتظاراستكمال بناء كل المفاهيم والتحقق من الفرضيات.
 وتتموقع مسألة نقل الأثرفي صميم مشاكل مفهمة التعلم والمعارف والكفايات. فكيف يمكن أن نتصور ممارسات بيداغوجية تشجع على استثمار المكتسبات والمعارف خارج المدرسة؟
نقل الأثر كإعادة استثمار للمكتسبات
يعرف نقل أثر التعلم عموما بقدرة الفرد على إعادة استثمار -في أوسع معانيه- مكتسباته في وضعيات جديدة. ودون الحد الأدنى من نقل الأثر يكون التعلم عديم الفائدة والجدوى باعتباره لا يستجيب إلا لوضعية ماضية وغير قابلة للاستنساخ في تفردها. وفي هذا الصدد يمكننا التمييز بين عملية نقل أثر عادية أو شبه آلية وهي من الآليات الأساسية للاستيعاب والتلاؤم عند "بياجيه" (J.Piaget) وبين عملية نقل إشكالي يتطلب جهدا وعملا معرفيا لأنه يحشد مكتسبات شيدت في وضعيات مختلفة تماما عن تلك التي نواجهها هنا والآن لأن تلك الوضعيات لا تنتمي فقط لوقت آخر ومكان آخر وسياق آخر بل لأن القياس ليس كاملا ولا مدركا على الفور، مع الملاحظة أن القياس العادي بالنسبة للبعض قد يكون غائبا أو غير ملاحظ بالنسبة للآخرين وفقا لمستوى الخبرة حيث إن الخبير يتميز عن المبتدئ بقدرته على الربط بين الوضعيات. وفي الواقع فان إشكالية نقل أثر التعلم في وضعيات مختلفة جدا لا يمكن فصلها عن بروز الشكل المدرسي للتربية وعن سوق الشغل. وعلى نقيض التربية التقليدية التي كانت تعد الناشئة للعيش حيث ترعرعوا فإن التمدرس اليوم يجب أن يعد الأجيال لإعادة استثمار مكتسباتهم في سياقات مختلفة خارج المدرسة في وضعيات من الحياة اليومية والمهنية والسياسية والعائلية والشخصية.
وبصورة أعمّ ترتبط أهمية نقل أثرالمكتسبات والمعارف بوتيرة تحوّل المجتمعات وهذا هو السبب في أنه مصدر قلق كبير اليوم في حين كانت التربية التقليدية لا تهتم به كثيرا.
 إن التعلم في المدرسة لا يكون ذا جدوى إلا إذا استثمر في أماكن أخرى أو في وقت لاحق في الحياة، وفي العمل أو خارجه وهنا يجدر طرح السؤال: لماذا يقضي التلاميذ السنين الطويلة في المدرسة يتعلمون أشياء كثيرة لا يستغلونها أبدا في حين أنهم يفتقرون لمعارف أساسية؟ ويمكن أن نذكر على سبيل المثال تعلم اللغات الأجنبية والمساهمة الضعيفة لتعليم العلوم في المحافظة على الصحة والبيئة.
 ويطرح المشكل بأكثر حدة بالنسبة للأفراد الذين نجحوا في دراستهم وأظهروا أن لهم مكتسبات خلال الاختبارات والامتحانات المدرسية ولكن معارفهم تفقد جدواها خارج المدرسة حيث يعجزون عن إعادة استثمارها لأن نقل أثر التعلم لم يكن في البرنامج فكان الهدف المنشود حشو الأدمغة بالمعارف وكفى.
نقل أثر التعلمات أم تعلم نقل الأثر؟
لقد عرف "ماندلسون" نقل أثرالمعارف كآلية تمكن الفرد من استعمال معارفه السابقة في سياق جديد وشدد على أنه ليس عملية عفوية ومع ذلك لم تستفد المدرسة تماما مثل مؤسسات التكوين المهني من نتائج هذه الحقيقة ربما لأنها لم تدرك أن الفرد لم يقع إعداده لذلك حتى يمكنه استثمار معارفه السابقة.
 ووفقا ل «تارديف» و«ميريا» لا يكون استثمار المعارف أبدا في البداية لأن التعلمات تتجذر في سياق غيرمنفصل عن المعرفة في نظر المتعلم على الأقل في البداية لأن المعرفة لا تنفصل عن الوضعيات التي نشأت فيها إلا بعمل لا ينتهي أبدا بل يتواصل وفق التجربة. ويتأتى نقل الأثر عن جهد ذهني يتطلب من الفرد الذي يواجه وضعية جديدة:
-شيئا من الحدس باعتباره ليس عاجزا تماما بل لديه موارد للاستثمارفي فهم الوضعية والسيطرة عليها، ويربط "راي"(Rey) بين نقل الأثر ونية تستند بلا شك إلى شكل من أشكال الثقة بالنفس.
-القدرة على إيجاد واختيار ودمج الموارد المعرفية المتاحة له، وهوما سماه «لوبوتارف» تعبئة الدراية التي تشكل كفاية حقيقية. هل هذا يعني أنه بالإمكان تعليم نقل أثر المعارف ككفاية إضافية مستقلة عن المعارف والوضعيات التي يواجهها المتعلمون؟
إن القول بذلك يبدو سخيفا لكن لماذا لا نتصور أنه بالإمكان التدرب وممارسة نقل الأثر مثلما بينته بحوث التعلميين على غرار بحوث"ميريا"(Meirieu) ؟
لقد قسم "فيليب برينو" الوضعيات التي تشجع على نقل أثر المعارف إلى ست فئات وهي على التوالي:
1- إعادة بناء الأهداف والمحتويات: من الناحية المثالية ينبغي أن تضمن أي شهادة تكوين نقل الأثر وبالتالي تركز على وضعيات جديدة لم تكن مألوفة بالنسبة للتلميذ إذ ما الفائدة من تكوين لا يستغل إلا لاستعراض المعلومات والمعارف يوم الامتحان؟
 إن الذين ينتدبون خريجي المدارس يعتقدون أن لهم تكوينا لكنهم يعلمون مع ذلك أنه يجب أن يعطى لهم الوقت لا للتأقلم مع ظروف العمل الخصوصية فحسب بل لبناء روابط واكتساب تجربة تمكنهم من استثمار مكتسباتهم. وهنا يجوز طرح السؤال: لماذا لا تفكر المؤسسة التربوية في آخر التكوين في شهادة تثبت القدرة على نقل أثر المعارف؟ ويتطلب هذا الأمر تخفيف البرامج وإعادة بنائها في شكل مجالات وشبكات تكرس مجموعة من الكفايات الأساسية على غرار ما يراه "ميشال ديفلاي"؛ كما أن التركيز على نقل أثر المعارف يجعل أكثر وضوحا الفرق بين مشروع التعليم وتحقيقه إذ قد يكون من الحكمة تقييم مكتسبات التلاميذ في وضعيات قريبة من وضعيات التدريب والممارسة أي بحد أدنى من نقل الأثر.
2- بناء وتنويع مهام ووضعيات من أجل ممارسة نقل الأثر: لا يمكن أن نتحدث عن ممارسة حقيقية لنقل أثر المعارف أو إعادة استثمار المكتسبات السابقة إلا في وضعية غير معروفة تشكل وضعية "أولى" أو مفاجأة أو مشكلة جديدة على الأقل بالنسبة للتلميذ والممارسة بهذا المعني هي تعبير متناقض طالما أن مفهوم الممارسة يذكر بالتكرار والتشابه.
إن وجه الشبه الحقيقي في وضعيات نقل الأثر هو أن الوضعية تطرح للمرة الأولى بالنسبة للفرد وهي بالتالي وضعية جديدة. وهكذا يصبح نقل الأثر تعودا على الجديد يقتضي التخلص من التمارين التقليدية وتعويضها بوضعية- مشكل يواجهها الفرد وهو عاجز في البداية لأن المطلوب منه هو تحديد المشكل وبناؤه كما أن الحلول لا تدرك بسهولة. وعادة ما يحتج التلاميذ إذا فشلوا في مهمة ما قائلين" لم نقم بذلك من قبل" ويستندون في احتجاجهم على عقد تعلمي تقليدي ضمني إلى حد كبيرلا يعطي للمدرس "الحق في فعل ذلك" لأن ذلك يحد في رأيهم من جهودهم وآمالهم في التميز فيعتبرون نقل الأثر في هذه الحالة انتكاسة ويصبحون في وضع يشبه تماما وضع المستثمرين الذين يكتشفون فجأة أن سنداتهم لم يعد لها قيمة.
إن إعداد التلاميذ أو المكونين لنقل الأثر يفترض تصور عقد تعلمي جديد مع التلاميذ يدعوهم للقبول بأن مواجهة المجهول وعدم اليقين والارتباك هي جزء من "مهنتهم" ولا يكون ذلك ممكنا إلا عندما نشرح للتلاميذ معنى نقل الأثر ولماذا يتطلب المغامرة خارج الطرق المعبدة.
استاذ جامعي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق